القرطبي
91
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقوله : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ( 1 ) ) . وقوله : ( وإني لغفار لمن تاب ( 2 ) ) فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء . والعقيدة أنه لا يجب عليه شئ عقلا ، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب . قال أبو المعالي وغيره : وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن ، لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة . قال ابن عطية : وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى . فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي : يغلب على الظن قبول توبته . وقال غيره : يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه عز وجل . قال ابن عطية : وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه ، وبه أقول ، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) وقوله تعالى : ( وإني لغفار ) . وإذا تقرر هذا فأعلم أن في قوله ( على الله ) حذفا وليس على ظاهره ، وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده . وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( أتدري ما حق العباد على الله ) ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : ( أن يدخلهم الجنة ) . فهذا كله معناه : على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق . دليله قوله تعالى : ( كتب على نفسه الرحمة ( 3 ) ) أي وعد بها . وقيل : ( على ) ها هنا معناها ( عند ) والمعنى واحد ، التقدير : عند الله ، أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها ، وهي أربعة : الندم بالقلب ، وترك المعصية في الحال ، والعزم على ألا يعود إلى مثلها ، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره ، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة . وقد قيل من شروطها : الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار ، وقد تقدم في ( آل عمران ) كثير من معاني التوبة وأحكامها ( 4 ) . ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدا ( 5 ) ، ولهذا قال علماؤنا : إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود . وقيل : ( على ) بمعنى ( من ) أي إنما التوبة من الله للذين ، قاله أبو بكر بن عبدوس ، والله أعلم . وسيأتي في ( التحريم ( 6 ) ) الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها .
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 250 ( 2 ) راجع ج 11 ص 231 ( 3 ) راجع ج 6 ص 395 ( 4 ) راجع ج 4 ص 130 ( 5 ) راجع ج 6 ص 174 ففيها الخلاف في المسألة . ( 6 ) راجع ج 18 ص 197 فما بعد .